«تجارة المتعة»: حين يتحول الإنسان إلى «سلعة»
الخميس 29 تموز (يوليو) 2010 بقلم Al Shehab institution for Comprehensive Development
نساء من جميع الأعمار، غالبيتهن من فئات اجتماعية هشة، فئات تركتها الدولة لسوق لا ترحم. نساء اعتبرهن المجتمع «سلعة» يبيعها لمن يدفع، ويدينهن فى كل الأحوال دون أن ينظر إلى ظروفهن. فى هذا الملف تنشر «المصرى اليوم» أخطر دراسة حقوقية عن «سوق المتعة»، ١٦ حالة تروين تجاربهن مع «مجتمع الذكور» حيث المرأة الحلقة الأكثر ضعفا، وحيث يصبح الجنس «مهنة» لمن لا يجد حتى قوت يومه.
فى الملف أيضا، تقارير من العالم، حول «الرقيق الأبيض»، وتجارته، والدول «المصدرة» و«المستوردة». حيث الأرباح تصل إلى ٣٨ مليار دولار سنويا، وحيث الفتيات الأصغر سنا، والأطفال جزء من منظومة الاتجار بالبشر بهدف الاستغلال الجنسى.
تصفح سريع
ضحايا «مهنة الجسد»: اللى بيحصل كابوس .. والفقر أكبر سبب
تجارة يكسب من يعملون بها الكثير والكثير، وفى المقابل تخسر النساء الكرامة، والآدمية، إنها تجارة الجنس التى جعلها الكاتب الصحفى مدحت الزاهد موضوعا لدراسته حول تجارة الجنس، وهى الدراسة التى يصدرها للكاتب مؤسسة الشهاب. بنى الزاهد كتابه على شهادات لنساء يعملن بتلك المهنة وينتظرن العثور على مهنة جديدة وحياة آدمية.
وفى الحالات التى أجرت معها مؤسسة الشهاب الحقوقية مقابلات، تحكى عاملات الجنس عن مآسيهن، وشملت الحالات نساء وفتيات متزوجات ومطلقات وعازبات من مستويات اجتماعية وتعليمية مختلفة، ووافقت ١٦ عاملة على الحديث مع المؤسسة، بينهن ٦ مطلقات و٥ متزوجات و٤ غير متزوجات بينهن واحدة حافظت على بكارتها وأرملة واحدة، ١١ منهن ينتمين إلى طبقات فقيرة و٥ من أسر محدودة الدخل، وتراوحت مستوياتهن التعليمية بين التعليم الابتدائى والتعليم المتوسط. واعترفت ٥ منهن بالتعرض لاعتداءات جنسية فى سن الطفولة ممن يقيمون معهن فى المنزل، الأخ وزوج الأخت وغيرهما.
ورغم عدم وجود إحصاء دقيق للعاملات فى الجنس فى مصر لكن هناك مؤشرات عامة على تنامى الظاهرة بينها وجود ما يزيد على مليونى طفل من أطفال الشوارع، وهى الفئة الأكثر عرضة للاعتداءات والاستغلال الجنسى. وكذلك تزايد الكثافة السكانية فى العشوائيات وازدحام عدد كبير من أفراد الأسرة من الجنسين فى غرفة واحدة وما يرتبط به من زنى المحارم وتنامى ما يعرف باسم السياحة الجنسية وكلها تشكل رافدا للعمل المأجور فى الجنس.
فى كل المقابلات التى أجراها فريق البحث فى مؤسسة الشهاب لم تكن هناك عاملة واحدة راضية عن عملها بالجنس أو عن نفسها وكان هناك إجماع على الشعور بالمهانة والرغبة فى البحث عن مصدر آخر للرزق.
وكان تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الأخير عن الاتجار بالبشر قد وصف مصر بأنها دولة ترانزيت ومقصد لعمليات الاتجار بالبشر للنساء والأطفال الذين يتم نقلهم لأغراض العمل القسرى والاستغلال الجنسى وأشار إلى أن «بعضا من أطفال الشوارع فى مصر من الصبية والفتيات يتعرضون على السواء للاستغلال قسرا فى أنشطة الدعارة والتسول» وأضاف أن «الأطفال المصريين يتم تجنيدهم للعمل فى المنازل والزراعة ويواجه بعضهم ظروفا دالة على العبودية مثل القيود على الحركة وعدم دفع الأجور والتهديدات والانتهاكات الجسدية أو الجنسية».
وفى جانب آخر أشار التقرير إلى أن «أثرياء الخليج يسافرون إلى مصر لشراء زيجات مؤقتة من مصريات بينهن فتيات دون سن الثامنة عشرة ويتم تسهيل تلك الترتيبات فى الغالب عبر آباء الفتيات والوسطاء من رعاة الزواج» والمناطق الأكثر شيوعا لسياحة جنس الأطفال هى «القاهرة والإسكندرية والأقصر»، كما أن الأطفال العاملين فى المنازل غير محميين بموجب قوانين العمل الحالية. كما أن مصر دولة ترانزيت للنساء من أوزبكستان ومولدوفا وأوكرانيا وروسيا ودول أخرى من أوروبا الشرقية إلى إسرائيل من أجل الاستغلال الجنسى، وتتورط جماعات الجريمة المنظمة فى تلك النشاطات.
ووفقا للشهادات التى حصل عليها مركز الشهاب، تسأل الباحثة إحدى العاملات بالجنس، عن رأيها فى تلك المهنة فقالت «تحسى انك بتاجرى بجسمك» وأوضحت أن الاضطرار لمثل تلك المهنة هو السبب الوحيد فهى لم تجد أى بديل آخر لتلجأ إليه قائلة: «مافيش واحدة هاتعملها بمزاجها.. مافيش واحدة ممكن تبيع جسمها لإنها عايزة كده هى بتبقى عايزة الفلوس».
وأكدت جميع الحالات عدم رضاهن عن تلك المهنة ورغبتهن فى العمل بأى مهنة أخرى. وتقول إحدى الحالات «صعبان عليا نفسى وماكنتش عايزة امشى فى الطريق ده ومنه لله اللى كان السبب»، وأخرى تؤكد «نفسى يبقى ليا حياة جديدة وانسى كل اللى فات خالص». وتمنت معظم العاملات بالجنس أن تكون حياتهن منذ ارتدن هذا الطريق مجرد «كابوس» يستيقظن بعده على حياة عادية طبيعية لا تشوهها مهانة العمل فى الجنس.
حالة أخرى لجأت إلى العمل فى الجنس بعد حادث اغتصاب فى مدينة ريفية، تناوب عليها أكثر من مغتصب وهى فى الرابعة عشرة من عمرها، ودارت حولها مشاجرة بين فرقتين وأمضت ليلتها فريسة عادت فى الصباح منهكة صارحت أمها فأخفت ما حدث عن كل أقاربها، خوفا على شرف البنت لكن الأعمام اعتبروا أن مبيت الفتاة خارج المنزل كان انحرافا عن الأخلاق والشرف ولم يتعاملوا معها كفتاة تعرضت لاعتداء، لكن كبنت فقدت شرفها اعتدى الأعمام والجدة على البنت والأم والأب وانتهى الأمر بهروب البنت وعودتها أكثر من مرة وزوجوها رجلاً حاول بدوره أن يشغلها فى الجنس.
وفى واحدة من الحالات كان الأب هو الذى دفع ابنته لذلك الطريق، وحول ما إذا كان يرضى بذلك قالت الفتاة: «هو كان راضى عشان كان بيخلينى اشتغل لاصحابه بفلوس.. يعنى لما ييجى حد من صحابه كان يطلعنى اقعد معاه، ادى الفلوس لأبويا.. وساعات كان بيشغلنى انا واختى».
وتضيف الدراسة أن السياحة الجنسية انتشرت فى مصر وعدد من الدول العربية وخصوصا فى فصل الصيف حيث يأتى السائحون من دول الخليج للتمتع بالخدمات الجنسية فى مناطق معينة ببعض المدن العربية عن طريق شبكة واسعة من الوسطاء تجلب لهم العاملات بالجنس. وهذا النوع من العمل بالجنس يتم فى الشقق المفروشة التى يستأجرها السائحون وفى الفنادق عبر شبكة وسطاء تشمل القواد وسائق التاكسى وبواب العمارة وعامل البار وموظف الفندق وأحيانا صاحب الشقة المفروشة.
ومن صور السياحة الجنسية «الزواج الموسمى» أو زواج الصفقة الذى يتم غالبا بين فتيات مصريات صغيرات وأثرياء العرب ويتركز فى القاهرة والإسكندرية والأقصر، وتناولت تقارير الخارجية الأمريكية عن التجارة بالبشر ظاهرة الزواج السياحى باعتبارها شكلا من أشكال الاتجار بالبشر.
من المحيط إلى الخليج: سوق المتعة لا تزال مفتوحة
بالإضافة إلى تقارير ومصادر الأمم المتحدة نشرت المنظمات الحقوقية المختلفة- المحلية والدولية- مقابلات مع العاملات فى الجنس أو النساء اللاتى تم الاعتداء عليهن جنسيا، ومن بين التقارير المهمة تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش بعنوان «وكأنى لست إنسانة»، ركز على الاستغلال الجنسى لخادمات المنازل، مشيرا إلى أنه فى حالات كثيرة تكابد عاملات المنازل مزيجاً من الإساءات النفسية والبدنية والجنسية.
ونقلت الدراسة عن العديدات من عاملات المنازل أن أصحاب العمل يحرموهن حتى من الطعام الكافى. وأفادت سفارتا إندونيسيا وسريلانكا بأن الإساءة البدنية والمعاملة السيئة تُشكلان ما بين ١٠% و١٩% من الشكاوى التى تصل إليهما، فيما يمثل التحرش والإساءات الجنسية من ٦% إلى ٨% من الحالات.
وتذكر وسائل الإعلام فى السعودية وإندونيسيا وسريلانكا والفلبين بشكل منتظم حالات للإساءة البالغة، أكثرها انتشاراً كانت حالة نور مياتى، التى قام أصحاب عملها بتجويعها وضربها وحبسها حتى أصيبت بغرغرينا. وفيما تجذب حالات أخرى الانتباه الدولى، فإن حالات لا حصر لها ما زالت طى الكتمان دون الإبلاغ عنها أو ملاحظتها.
ونقلاً عن ازدياب، إحدى الضحايا، ذكر التقرير: كان صاحب العمل يحاول اغتصابى دائماً. كنت أرفض لأن لدى زوجاً وأطفالاً، حاولت أن أعمل لمدة ٨ أشهر، لأن على سداد دين فى بلدى. كنت مدينة لجيرانى مقابل علاج أطفالى فى المستشفى. ولم يكن زوجى يعمل. وفى ليلة عيد الفطر، خرج الجميع، وطلبت منى صاحبة العمل أن أنظف الأرضية، حيث يعيش أصحاب العمل الرجال. حين نزلت على الأرض لم يكن هنالك أحد غيرى، ثم رأيته واقفاً عارياً. اغتصبنى صاحب العمل.
دفعنى وحاولت المقاومة لكننى لم أتمكن من دفعه عنى. اغتصبنى على الأريكة. وقال «لم أستغلك، لأننى أدفع لك نقوداً كثيرة».
وأفادت ٢٨ عاملة من الـ ٨٦ عاملة منزلية اللاتى قابلتهن هيومان رايتس ووتش بأنهن تعرضن للتحرش أو الاعتداء الجنسى من قبل أصحاب العمل أو الوكلاء. وأوضح مسؤولون دبلوماسيون بالسفارات أن العنف الجنسى من الشكاوى المتكررة بين شكاوى النساء اللاتى يطلبن المساعدة. وفى العادة يكون الجانى هو أحد أصحاب العمل أو أقاربهم، بمن فيهم الأبناء المراهقون أو البالغون، ويشمل هذا عدة أفعال، كالملامسة أو الاحتضان أو التقبيل أو الاغتصاب المتكرر.
وفى المغرب الدولة العربية التى يتحدث عنها كثيرون باعتبارها وجهة للسياحة الجنسية، يحلل الباحث المغربى عبدالصمد الديالمى فى دراسة بعنوان «العمل الجنسى فى المغرب» ظاهرة السياحة الجنسية وارتباطها بوظائف ومفهوم الجنس التجارى، والعمل بالجنس وبأزمات الفقر والبطالة والتمييز ضد المرأة. ويذكر فى دراسته أن المغرب من أكثر الدول العربية فى تجارة الجنس تصديرا ونشاطا مكملا للسياحة حتى إنه يمكن الحديث عن السياحة الجنسية كمظهر رئيسى للسياحة بالمغرب.
وفى كتابه يقول الديالمى «سواء كان منظما أم غير منظم صريحا أو سريا يمكن العمل الجنسى الدولة من تحقيق أرباح كبيرة وتنشيط الدورة الاقتصادية، ففى الثمانينيات من القرن الماضى دخل الاقتصاد المغربى فى أزمة أفرزت بطالة الشباب، واتجه الاقتصاد إلى القطاع السياحى من أجل العملة الصعبة، وتحولت السياحة تدريجيا إلى سياحة جنسية يستفيد منها فاعلون اجتماعيون متعددون: شركات سفر ووسائل مواصلات وفنادق وعمال الجنس وأسرهم ومساعدوهم وشركات الخمور وسوق المخدرات وصالونات التجميل والحلاقة، ومن هنا يمكن القول إن العمل الجنسى أصبح يسهم فى تنشيط الاقتصاد الوطنى وفى «حل» أزمة البطالة. أصبح العمال الجنسيون شريحة من فئة العاملين فى القطاع الخدمى دون أن يكون لديهم أدنى وعى بهذه المهنة».
وبسبب تلك الضغوط الاقتصادية، أصبح العمل الجنسى، على المستوى الفردى، أقصر الطرق لإعالة الذات، فحينما يعجز الفرد عن إعالة ذاته بفضل عمل مشروع معترف به اجتماعيا يجد أمامه العمل الجنسى كأقصر الطرق وأسهلها، طريق تنتهجه المرأة أكثر من الرجل، نظرا للتراكم التاريخى الذى جعل من درجة تأهيل المرأة وتمكينها أدنى منها فى حالة الرجل، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة البطالة بين النساء.
٣ أسباب للظاهرة: الفقر والتفكك الأسرى وسيطرة «الثقافة الذكورية»
الجنس التجارى، الذى يكون الهدف منه الحصول على المال، هو ما اعتبرته الدراسة «روافد» أو «ينابيع»، تدفع إلى «سوق المتعة» المزيد من النساء والأطفال للتجارة بهم، وإذا ما تمت معالجتها، فسيتم القضاء على شبح تحول العمل التجارى بالجنس، والاتجار بأجساد النساء إلى ظاهرة. فوفقاً للدراسة فإن الفقر يعد من أهم منابع العمل المأجور فى الجنس ولتوضيح حجم المشكلة فى مصر يكفى النظر إلى تقرير التنمية البشرية لعام ٢٠٠٧ الصادر من الأمم المتحدة، حيث تحتل مصر المركز ١١١ بين دول العالم الأكثر فقراً، حيث يوجد ١٤ مليون مصرى تحت خط الفقر بينهم ٤ ملايين لا يجدون قوت يومهم.
ووفقا للتقديرات الرسمية هناك ١٠٣٤ منطقة عشوائية فى ٢٤ محافظة مصرية. ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والبطالة ازداد عدد النساء المعيلات لأسر، وازداد عدد الرجال الذين يتخلون عن مسؤوليتهم ولا تجد النساء سوى الأعمال الهامشية غير الرسمية كالعمل خادمات فى المنازل وبائعات فى المحال وبائعات مناديل والعمل فى البارات ولا تجد كثيرات منهن مصدراً للرزق سوى هذه الأعمال التى تعرضهن للاستغلال ولا تمنحهن حقوقهن كعاملات، كما تزايدت فى الفترة الأخيرة حالات الاغتصاب وزنى المحارم.. كل تلك الظروف قد تدفع البعض إلى العمل بالجنس، خاصة مع سهولة المكاسب التى يحققها.
فعلى سبيل المثال، من بين الحالات التى قدمتها الدراسة امرأة معيلة بعد زواجها بأيام لم يكمل الزوج عمله، واضطرت هى للاستمرار فى العمل كفراشة فى مدرسة مع أمها، ولم يعمل هو ورفض أن تجلس فى البيت ويبحث هو عن عمل، وانجرفت لتعمل بالجنس بعد حملها، حيث لم تتمكن من العمل مع أمها ومع تزايد عدد الأبناء والأعباء المادية استمرت تعمل بالمهنة الوحيدة التى وفرت لها احتياجات بيتها وأسرتها التى تعيلها بمفردها.
حالة أخرى كانت متزوجة عرفيا ومخطوبة لشخصين، قبلت خوفا من أخيها الكبير. قبل انتهاء فترة الزواج العرفى (شهرين وفقا لتصريحاتها) قام أخوها بخطبتها لشخص آخر وشخص ثالث، وكانت تأخذ أموالا من الثلاثة بضغط من أخيها، وظل الأخ يضغط حتى تم تقطيع ورقة الزواج العرفى وانفصلت عن الزوج الذى كان يحبها بسبب خوفها من أخيها حسب شهادتها.
والسبب الثانى الذى تراه الدراسة لتزايد العمل بالجنس هو التفكك الأسرى حيث إن ١٤ من بين الحالات الـ١٦ التى اعتمدت عليها الدراسة انتمين لعائلات تعانى من التفكك الأسرى، بسبب انفصال الأب والأم ووفاة أحدهما وزواج الآخر، وكذلك الاعتداءات الجنسية من الأقارب وقيام أفراد من الأسرة بدفع الفتاة إلى العمل بالجنس.
إحدى العاملات بدأت الاعتداءات عليها من أخيها الكبير كانت تنام فى سرير واحد مع أختها، وكان الأخ الأكبر يأتى لينام بجوارها ويتحسسها ويقبلها، وكانت وقتها فى الثالثة عشرة وهو قارب العشرين.
المصدر : المصري اليوم
أعدت الملف : نفيسة الصباغ ( ٢٥/ ٧/ ٢٠١٠ )
